ابو القاسم عبد الكريم القشيري
274
شرح الأسماء الحسنى
حكى أن ابن عمر مر بغلام يرعى غنما فقال : بعني شاة ، فقال : إنها ليست لي ، فقال ابن عمر : قل أكلها الذئب ، فقال الغلام : فأين اللّه فاشتراه ابن عمر واشترى تلك الغنم وأعتقه ووهبه تلك الغنم ، وكان ابن عمر يقول مدة طويلة : قال ذلك العبد : فأين اللّه . فصاحب المراقبة يدع من المخالفات استحياء منه وهيبة له أكثر مما يتركه من يدع المعاصي لخوف عقوبة ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى « 1 » وأن من راعى قلبه عد مع اللّه أنفاسه ولا يضيع مع اللّه نفسا ، ولا يخلو عن طاعته لحظة ، كيف وقد علم أن اللّه سبحانه يحاسبه على ما قلّ وجلّ . وحكى عن بعضهم أنه كان يشترى في كل سنة من الشعير بيسير من الفلوس وكان يتقوت به طول سنة ، فلما مات رفعت جنازته بالغداة فلم يفرغوا من دفنه إلا قبل العشاء لكثرة الزحام ، فرئي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي وأحسن إلى كثيرا ، إلا أنه حاسبنى حتى طالبنى بيوم كنت صائما فكنت قاعدا على حانوت صديق لي حناط ، فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوته فكسرتها نصفين ، ثم ذكرت أنها ليست لي فألقيتها على حنطته ، فأخذ من حسناتي قيمة ما نقص من تلك الحنطة بالكسر . وأن من تحقق ذلك لم يرخ عنانه في البطالة ، ولا يضيع عمره في الجهالة ، ولم يمحق في الغفلات وقته ، ولكن يصل بالطاعات ليله بنهاره ويبذل غاية جهده وكنه استطاعته في أوقاته . ويحكى عن سلمان الفارسي أنه كان إذا جن عليه الليل أخذ يصلى ، فإذا عيى ذكر اللّه بلسانه بفنون التسبيح ، فإذا عيي أخذ يبكى ، فإذا عيى فكر في
--> ( 1 ) العلق : 14 .